Site Loader Site Loader

يقول الفيلسوف في جامعة اكسفورد نيك بوستروم: إن الذكاء الآلي هو آخر اختراع تحتاج البشرية لصنعه، جملة يمكن أن نستنبط منها الآمال المعقودة على الذكاء الصنعي في المستقبل، هذا الذكاء الذي يعمل الخبراء والباحثون على تطويره دون كلل أو ملل. ويعد تعلم الآلة (Machine learning) واحداً من أهم المجالات التي يتم العمل عليها لتحقيق هذه الغاية، إذن، ما هو تعلم الآلة؟

 إن تعلم الآلة هو واحد من فروع الذكاء الصنعي، ويعني امتلاكها إمكانية  تغيير سلوكها عبر الزمن تلقائياً بما يناسب البيئة المتغيرة والمحيطة بها، وتعد السيارة ذاتية القيادة، والمساعد الشخصي الإفتراضي، من أهم الأمثلة عن تعلم الآلة.

مفهوم تعلم الآلة:

لنأخذ مثالاً توضيحياً، لنفترض وجود سوق كبير من المحلات التجارية، وعند شراء كل زبون للبضائع التي يريدها، يقوم بوضع بيانات عنه وعن البضائع المشتراة (رقم التعريف الخاص بالزبون، البضائع المشتراة وأسعارها، الخ..)، هذه العملية توفر كمّاً هائلاً من البيانات المتزايدة عبر الزمن، إن وجود هذا النوع من البيانات فعلاً جعل الباحثين والعلماء يتساءلون، ماذا سنفعل بهذا الكم الهائل من البيانات؟، هذا التساؤل غيّر مسرى الحوسبة.

تحرص المحلات التجارية دوماً على معرفة المنتجات التي ترغب بها كل فئة معينة من الزبائن، من خلال هذه المعرفة يمكن للمحلات شراء وتخزين البضائع بشكل أكثر فعالية، وبالتالي زيادة أرباحها، وتوفير أموالٍ كانت تُصرف على شراء وتخزين بضائع غالباً ما تكون غير مرغوبة من الزبائن.

إلا أنها مهمة ليست سهلة، فنحن مثلاً لا نعلم بالضبط من يرغب بشراء كتب مؤلفٍ ما، ومن يرغب بشراء كتب مؤلف آخر، وذلك بسبب ميل الزبائن عادةً لتغيير سلوكها عبر الزمن، بالإضافة لعوامل أخرى كاختلاف موقع الزبون الجغرافي. بالإمكان طبعاً التغلب على هذه الصعوبات، لأن سلوك الزبائن الشرائي ليس عشوائياً، فضلاً عن وجود أنماط معينة لمعرفته، والتي من خلالها يستفاد من البيانات للتنبؤ بنمط هذا السلوك، حيث يمكن توظيف البيانات في إيجاد نموذج يصف السلوك الشرائي للزبائن، وبالتالي توقع اختيارات الزبون ولو على المدى القريب، وهذا المثال يوضح بشكل مبسط جوهر مفهوم تعلم الآلة، ألا وهو التوقع بناءاً على بيانات موجودة سلفاً.

التعلم والبرمجة:

إن حل المشاكل عبر الحاسوب يتطلب خوارزمية، والتي تعرّف بكونها تتالياً من التعليمات المنفذة للانتقال من حالة دخل معينة إلى حالة خرج ما، فيمكن مثلاً ابتكار خوارزمية للترتيب، الدخل فيها مجموعة غير مرتبة من الأرقام، والخرج ترتيب هذه المجموعة، ومن الوارد وجود خوارزميات عدة لحل مشكلة واحدة، حينها لا بد من إيجاد الخوارزمية الأنسب للحل، من حيث عدد التعليمات  مثلاً، أو من حيث الذاكرة وسرعة الحاسوب المستخدم.

بعض المشاكل لا تملك خوارزمية حل محددة، كتوقع سلوك الزبون في المثال المذكور أعلاه، أو قدرة الحاسب على تمييز البريد الإلكتروني ذي المحتوى الضار (سبام)، والتي تعد من أشهر هذه المشاكل، لهذه المشكلة دخل هو محتوى البريد الإلكتروني، وخرج هو كون المحتوى ضاراً أم لا، إلا أن هناك حلقة مفقودة، ألا وهي الخوارزمية المناسبة القادرة على الحصول على الخرج المطلوب، فالبريد الضار يتغير مع الزمن، ومن شخص لآخر، ويكمن الحل في “تعلم” التمييز بين الرسالة الضارة وغير الضارة، بعبارة أخرى، نحتاج آلة قادرة على استخلاص واستنتاج المعرفة عبر وضع نموذج معين، وتتعلم من خلال البيانات الموجودة، بحيث نستخدم هذه الآلة في التطبيقات التي لا تملك خوارزميات حل.

يمكن القول أن البرمجة تعني وجود خوارزميات محددة، وطرائق متبّعة، مكونة من تعليمات وقواعد واضحة وثابتة، لا تتغير بشكل جذري وجوهري مع الزمن ومع تغيّر الظروف, وعندما نبرمج فنحن نعطي خرج معين ودقيق لشيء مطلوب مننا. في حين يعني “التعلّم” أن القواعد الموجودة لحل مشكلة معينة قابلة للتغيير من فترة لأخرى، ويمكن لهذه القواعد التأقلم مع تغير البيئة والظروف المحيطة بالمشكلة, وخوارزميات التعلم غالباً ما تعمل على التوقع وإيجاد أقرب قيمة خرج تكون قريبة من الهدف المراد.

الذكاء الصنعي، تعلم الآلة، المستقبل:

 في أثناء تطور الذكاء الصنعي، كانت هناك محطات أذهلت العالم، وأشعرته بعظمة الآلة، وجعلته يدرك الإمكانات  التي قد تصل إليها، من أهم هذه المحطات خسارة بطل العالم في الشطرنج كاسباروف أمام الآلة المسماة بالـ (Deep Blue) عام 1996، تلك الخسارة تركت تساؤلات ضخمة عن إمكانات هذه الآلات.

ومن المحطات الهامة أيضاً والحديثة زمنياً، هزيمة بطل العالم في لعبة GO -لعبة ذات أصول صينية- عام 2017 أمام الآلة المسماة AlphaGo، المطورة من قبل فريق في جامعة أكسفورد، حيث هُزِمَ بطل العالم المدعو كي جاي بنتيجة ساحقة بأربع خسارات مقابل انتصار واحد له فقط، وكان قد صرح كي جاي قبل المواجهة بأنه يرى أننا البشر ما نزال نفوق الآلة ذكاءً، وأنه موجود اليوم للدفاع عن البشرية وذكاءها وبقائها، إلا أن الهزيمة أشعرت المختصين بالخوف على مستقبل البشرية من الذكاء الصنعي.

خلاصة القول أن الذكاء الصنعي بتقنياته (تعلم الألة وغيرها على الرغم من أن تعلم الألة تعتبر بالوقت الحالي المجال الأوسع والأكثر انتشاراً واستخداماً بالذكاء الصنعي) قد مرَّ بتطورات عديدة عبر التاريخ (منها ما كان تطور صادم ومفاجئ للعالم ومنها ما كان عابراً). لا يزال العلماء يراهنون على المزيد من التطبيقات وتطوير قدرات الذكاء الصنعي في المستقبل, ولاتزال نقاشات العلماء بالذكاء الصنعي كثيرة وكبيرة كنقاشات فلسفية (مثلاً: ما هو الذكاء وبالنسبة لأي شيء نعتبر هذه الألة ذكية أم لا), ونقاشات ذو علاقة بعلم الأعصاب (مثلاً: نقاش حول ما إذا كان بمقدور الألة أن تشعر وتحس!) وغير ذلك من القضايا المثيرة. فهل يا ترى سنشهد عالماً في المستقبل يعمل دون الحاجة لمجهود وذكاء بشري بحيث يسير العالم اعتماداً على الذكاء الصنعي بشكل كامل وينهي الحاجة لوجودنا نحن البشر في تسيير أمور العالم.

التعلم الآلي والتنبؤ ممكن لأن العالم فيه انتظام. الأشياء في العالم تتغير بسلاسة. نحن لا “ننتقل كالشعاع” من النقطة A إلى النقطة B، لكننا نقوم بالمرور عبر سلسلة من المراحل الوسيطة.


هذه المقالة هي جزء من سلسلة جديدة على مدونة Change Makers نقوم فيها بالتعريف عن أهم المواضيع في التكنولوجيا استناداً على سلسلة كتب “المعارف الأساسية” (Essential Knowledge Series) المقدمة من MIT Press و هي الصحافة الجامعية التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج ، ماساتشوستس.


تحرير: غيث عباس
تصميم: راسم السلطي


كاتب المقال: محمد اليونس

تابعوني على:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copy link
Powered by Social Snap