Site Loader Site Loader

إنك على الأرجح تهم بقراءة المقال وأنت جالس في منزلك، بعد تطبيق حظر تجول في أغلب دول العالم للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد (covid 19)، الذي أثر في كل نواحي الحياة منذ انتشاره، من مراكز بحثية تعمل جاهدة في سبيل إيجاد دواء، إلى خسائر اقتصادية ضخمة، دون أن ننسى الخسائر البشرية طبعاً، كما أن الفيروس أثر في مجال التكنولوجيا بشكل ما، وذلك عن طريق تعميق الفجوة الرقمية أكثر فأكثر، ما هي هذه الفجوة؟ وما أثر فيروس كورونا عليها؟

يشير مصطلح “الفجوة الرقمية” إلى الفجوة المتزايدة بين أفراد المجتمع المحرومين، وخاصة الفقراء والريفيين والمسنين والمعوقين من السكان، الذين لا يستطيعون الوصول إلى أجهزة الكمبيوتر أو الإنترنت، وبين الأثرياء والطبقة المتوسطة والشباب، الذين يعيشون في المناطق الحضرية والضواحي، ممن يمكنهم الوصول إلى الإنترنت، وبالرغم من استمرار ارتفاع أعداد القادرين على الوصول إلى أجهزة الكمبيوتر والإنترنت كل عام، إلا أن الفجوة الرقمية مستمرة أيضًا في النمو بمعدل ينذر بالخطر، فمن ناحية، تتبنى قطاعات المجتمع المتصل بالإنترنت بالفعل تقنيات أحدث بشكل أسرع وتتواصل بشكل أكبر، ومن ناحية أخرى، تظل المجموعات ذات المعدلات الأقل تقليديًا لاستخدام الإنترنت والكمبيوتر على حالها.

وللأسف يبدو أن مستويات التعليم المتزايدة تُضخِّم الفجوة الرقمية، فالأسر ذات المستوى التعليمي الجيد، تملك فرصاً أعلى لاستخدام أجهزة الكمبيوتر والإنترنت، وقد لوحظ أن حاملي الشهادات الجامعية -أو أعلى- أكثر عرضة بعشر مرات للوصول إلى الإنترنت في العمل من أولئك الحاصلين على تعليم ثانوي فقط، وبينت دراسة اتساع الفجوة في استخدام الكمبيوتر والوصول إلى الإنترنت بنسبة 7.8 ٪ و 25 ٪ على التوالي، بين الفئات الأكثر والأقل تعليما.

فيروس كورونا يوسع الفجوة الرقمية ويجعلها أكثر خطورة من أي وقت مضى

في الوقت الراهن، يلتزم ملايين الأشخاص بيوتهم في محاولة إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد، وبالنظر إلى الإغلاق المفروض في جميع أنحاء العالم، يلجأ الملايين إلى الإنترنت لتلبية احتياجاتهم الأكثر إلحاحاً، فينتقل عدد متزايد من طلاب المدارس والجامعيين إلى الفصول الافتراضية، بينما يُطلب من ملايين العاملين في المكاتب العمل من المنزل، كما ازداد الإقبال على خدمات التوصيل المنزلي للحصول على البقالة بطلبها عبر الإنترنت، وتستعد خدمات الرعاية الصحية عن بعد -التي شهدت بالفعل زيادة طلب ضخمة- للعب دور حاسم في احتواء الفيروس، عن طريق إبعاد المرضى المصابين عن المستشفيات.

وللأسف، يشكل هذا التحول الهائل عبر الإنترنت حواجز مزعجة للأشخاص ذوي الاتصال الرقمي الأقل، فنقص الوصول الكافي للإنترنت يجعل من الصعب على البعض، إن لم يكن مستحيلاً، مواكبة أقرانهم، ما يسلط الضوء على الحاجة  لردم هذه الفجوة بين الأشخاص، وهذه الحواجز ليست جديدة بالطبع، نظراً لانتقال فرص التعليم والتوظيف والرعاية الصحية إلى الإنترنت على مدار العقود الماضية، وبذلك زاد العبء على الناس غير القادرين على الوصول لإنترنت عالي السرعة.

تعامل العالم مع أزمات مالية وعانى الكثير من الحروب والأزمات الصحية سابقاً، إنما لم يسبق أن واجهت الاقتصادات الراسخة والمتطورة هذا النوع من الصدمة، ولا شيء يقارن حقيقة بالفجوة الرقمية التي كشفها فيروس كورونا وتأثيرها على طبيعة الأعمال.

بالإمكان تتبع ما يحدث في يومنا الحالي من تحول رقمي ضخم جارٍ بالفعل، فقد بدأت الشركات بالانتقال إلى جوهر رقمي متزايد استنادًا إلى البرامج والبيانات والشبكات الرقمية، ما يتطلب بنية تشغيل جديدة، حيث تكتسب الشركة الرقمية الجديدة هذه ميزتها التنافسية بثلاث طرق، إنتاج المزيد بتكلفة أقل، تحقيق تنوع أكبر في الإنتاج، والدفع نحو التحسين والابتكار (scale, scope, learning).

هذا النموذج الرقمي صعب التبني على صعيد المنظمات الراسخة، وللأسف صعّبَ الوباء هذا الأمر أكثر بسبب الحاجة لإضافة بُعد رابع متزايد الأهمية لنماذج التشغيل الرقمية، ألا وهو العمل الافتراضي، اليوم، وبدلاً من رقمنة العلاقة بين الشركة والعميل وحده، يقوم النموذج الافتراضي برقمنة العلاقة بين الشركة والموظف، ونتيجة لذلك، تقل أهمية المكاتب، ويصبح العمل من المنزل ضرورة في كثير من الأحيان.

هذه الحاجة لمحاكاة العمل الافتراضي بسبب فيروس كورونا تقود التحول الرقمي، وتعمق الاختلافات بين الأشخاص والشركات بمعدل لا يصدق، ففي غضون أيام، تم رقمنة أي خدمة يمكن رقمنتها كالمؤتمرات المرئية والطب عن بُعد، إننا اليوم نشهد رقمنة العديد من المعاقل القديمة للأعمال التقليدية.

إلا أن بعض الأعمال والعمليات لا تزال تتطلب تقارباً مادياً – فكرياً بشكل جوهري، كما في الفنادق، والمتاجر الكبيرة، وتجار السيارات، ومحلات البقالة، وتجارة التجزئة التقليدية، بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن إضفاء الطابع الافتراضي على جميع الشركات التي تمتلك نواة تشغيل رقمية بنفس الدرجة، بالرغم من امتلاكها لبنية تشغيل كبيرة تركز على البرامج والبيانات، فأمازون مثلاً توظف عشرات الآلاف من العمال اليدويين الذين يعملون في المستودعات وقيادة شاحنات التسليم.

زادت مخاطر التحول الرقمي بشكل كبير، وإن رقمنة البنية التشغيلية للشركة الآن ليست مجرد وصفة لأداء أعلى، إنها العملية الأهم للعمال والصحة العامة، وهذا يخلق فجوة رقمية جديدة تعمق الفروق في مجتمعنا، لأن الشركات التي لا تستطيع التغير بين عشية وضحاها ستنهار، ما يعرض موظفيها لخطر متزايد من الضائقة المالية والمادية، وإن هذا التحول يؤدي أيضًا إلى حدوث الشقوق داخل الشركات المتطورة، ففي أمازون -التي يمكن اعتبارها واحدة من أنجح الشركات الرقمية في العالم- بدأ عمال المستودعات احتجاجاتٍ بسبب فقد أعمالهم.

أثر الفجوة الرقمية على التعليم

يرى بعض المحللين أن إغلاق المدارس والجامعات قد يتسبب في تفاقم عدم المساواة في النظام التعليمي، لأن الطلاب الذين لا يستطيعون الوصول إلى الإنترنت من المنزل، أو المعتمدين على هاتف محمول، يحصلون على أداء أقل وفق مجموعة من المقاييس، بما في ذلك المهارات الرقمية، وإتمام الواجبات المنزلية، ومتوسط ​​الدرجات، كما أنهم أقل احتمالاً للالتحاق بالكلية أو الجامعة، وهذا النقص في المهارات الرقمية يضاعف من أوجه عدم المساواة في الوصول، ويسهم في أداء الطلاب بشكل أقل.

وفي الوقت الذي تسهم فيه قوة اتصال الإنترنت بالوصول إلى المعلومات المهمة، فإن أكثر ما يثير القلق هو فجوة الواجبات المنزلية، التي عاقبت ملايين الطلاب الذين لا يملكون أجهزة كمبيوتر أو شبكة WiFi سريعة في المنزل حتى قبل ظهور هذا الوباء، ونظراً لكون المدارس أغلقت أبوابها لأسابيع أو أشهر  في جميع أنحاء العالم، لم يعد بالإمكان لهؤلاء الطلاب استخدام الحلول غير الكاملة التي اعتادوا الاعتماد عليها سابقاً، لذا ولكي يكون العزل الاجتماعي فعالاً وناجعاً، ينبغي أن تكون العزلة المنزلية منصفة للجميع. وهذا يعني الاعتراف باحتياجات الأشخاص الأقل ارتباطًا رقميًا، ومحاولة تلبية احتياجاتهم.


منذ سنوات، كانت النصيحة لشركات الاعمال واضحة “الرقمنة او الموت”، و لم يكن هناك طريقة ممكنة لمعرفة مدى صحة هذه الكلمات، حتى ظهر فيروس كورونا الذي جعلنا ندرك أهمية التكنولوجيا والرقمنة، التي أسهمت في ازدهار شركاتٍ بشكل خيالي، بينما تركت شركات أخرى تكافح من أجل البقاء، اليوم، أصبحت الفجوة واضحة أكثر من أي وقت مضى ، ويبقى السؤال، كيف نستطيع ردمها؟

المصادر:
المصدر 1المصدر 2المصدر 3المصدر 4المصدر 6


تحرير: غيث عباس
تصميم: راسم السلطي


كاتب المقال: جود خطاب

Data Analyst, Instructor, Full Stack Developer and Entrepreneur

تابعوني على:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copy link
Powered by Social Snap